عبد الجبار الرفاعي

329

محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية

بالحرمة ، والثاني ، والثالث ، وهكذا . فإذا لاحظنا هذه الفتاوى ، ربما يكون منشأ خطأ الفقيه الأول الذي أفتى بالحرمة انه اعتمد على رواية ضعيفة السند ؛ لأنه في منهجه في الاستنباط يتسامح ويعمل بالروايات غير التامة السند ، والفقيه الثاني الذي أفتى بالحرمة قد يكون خطؤه ناشئا من فهمه لرواية لا تدل على حرمة حلق اللحية ، وانما - على سبيل المثال - الرواية تدل على التمثيل وتشويه خلق اللّه ، بينما هو استفاد من هذه الرواية دلالتها على حرمة حلق اللحية ، وفقيه ثالث أفتى بالحرمة أيضا ، ولكنه أخطأ في فتواه أيضا ، لأنه استند على سيرة المتشرعة ، فيما هي غير دالة على ذلك ، وفقيه رابع نشأ خطؤه بسبب اعتماده على أصل عملي في المقام ، وهو اصالة الاحتياط ، فهو يقول : أشك في حلق اللحية هل هو حرام أم لا ؟ فمقتضى اصالة الاحتياط ، هو الافتاء بالحرمة ، أي يجب ان يحتاط المكلف ولا يحلق لحيته ، بينما هذا الأصل ربما لا يجري في المقام ؛ لأن أصالة الاحتياط تجري في الشبهة المحصورة مثلا ، والشك هنا شك في التكليف ، وهو مجرى للبراءة مثلا . إذا هذه الأخطاء في مفردات الاجماع ليس مركزها مركزا واحدا ، وانما هو متعدد . أما الخطأ في مفردات التواتر ( في الاخبارات الحسية ) فعادة ما يكون منصبا على أمر واحد ؛ لأن الشيء المحسوس هو أمر واحد ، وهو إما موجود أو غير موجود . مثلا الذي يخبر بموت زيد ، فان موت زيد أمر واحد ، فالمخبر الأول انما يخبر عن موت زيد ، وكذلك الثاني ، والثالث ، وهكذا ، كلهم يخبرون عن أمر واحد ، فالمركز هنا واحد ( موت زيد ) . بينما لو كان الأول يخبر عن موت زيد ، والثاني يخبر عن مرضه ، والثالث يخبر عن سفره ، والرابع يخبر عن فقره ، فالمركز متعدد ، وكلما كان المركز واحدا كان احتمال تراكم الأخطاء عليه ضعيفا ، وكلما كان المركز المحتمل للأخطاء متعددا ، كان احتمال تراكم الأخطاء أشد وأقوى ،